المقريزي
176
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
فيدفعونه إلى العرفاء والنقباء والأمناء ، فيدفعونه إلى أهله في دورهم . فمات عمر رضي اللّه عنه والأمر على ذلك ، وقد عزم قبل موته أن يجعل العطاء أربعة آلاف أربعة آلاف ، وقال : لقد هممت أن أجعل العطاء أربعة آلاف أربعة آلاف ، ألف يخلفها الرجل في أهله ، وألف يتزوّدها معه في سفره ، وألف يتجهز بها ، وألف يترفق بها ، فمات وهو في ارتياد ذلك قبل أن يفعل ، وكان يقري البعوث على قدر المسافة إن كان بعيدا فسنة ، وإن كان دون ذلك فستة أشهر ، فإذا أخل الرجل بثغره نزعت عمامته ، وأقيم في مسجد حيه ، فقيل هذا فلان قد أخل . وقال سيف بن عمر : أول عطاء أخذ سنة خمس عشرة ، وكان عمرو بن العاص رضي اللّه عنه يبعث من مصر إلى عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه بالجزية بعد حبس ما كان يحتاج إليه ، فلما استخلف عثمان رضي اللّه عنه لثلاث مضين من المحرّم سنة أربع وعشرين زاد الناس مائة ، وكان أوّل من زاد ، ورفد أهل الأمصار ، وهو أوّل من رفدهم ، وصنع فيهم الصنائع ، فاستن به الخلفاء في الزيادة . وكان عمر ، قد فرض لكل نفس منفوسة من أهل الفيء في رمضان درهما في كل يوم ، وفرض لأمهات المؤمنين درهمين . فقيل له : لو صنعت لهم به طعاما ، فجمعتهم عليه فقال : اشبعوا الناس في بيوتهم ، فأقرّ عثمان رضي اللّه عنه ذلك ، وزاد فوضع لهم طعام رمضان . وقال : هو للمتعبد الذي يتخلف في المسجد ، ولابن السبيل ، وللمعترين بالناس في رمضان فاقتدى به الخلفاء من بعده . وكان بمصر ، في خلافة معاوية بن أبي سفيان أربعون ألفا ، وكان منهم أربعة آلاف في مائتين مائتين ، وكان إنما يحمل إلى معاوية ستمائة ألف دينار عن فضل أعطيات الجند ، وما يصرف إلى الناس ، وكان معاوية قد جعل على كل قبيلة من قبائل العرب بمصر ، رجلا يصبح كل يوم فيدور على المجالس فيقول : هل ولد الليلة فيكم مولود ؟ وهل نزل بكم نازل ؟ فيقال : ولد لفلان غلام ، ولفلان جارية ، فيكتب أسماءهم ، ويقال : نزل بهم رجل من أهل كذا بعياله ، فيسميه وعياله فإذا فرغ من القيل أتى الديوان حتى يثبت ذلك ، وأعطى مسلمة بن مخلد الأنصاري أمير مصر ، أهل الديوان أعطياتهم وأعطيات عيالهم ، وأرزاقهم ونوائبهم ونوائب البلاد من الجسور ، وأرزاق الكتبة وحملان القمح إلى الحجاز ، وبعث إلى معاوية ستمائة ألف دينار فضلا . وأوّل تدوين كان بمصر على يد عمرو بن العاص رضي اللّه عنه ، ثم دوّن عبد العزيز بن مروان تدوينا ثانيا ، ودوّن قرّة بن شريك التدوين الثالث ، ثم دوّن بشر بن صفوان تدوينا رابعا ، ثم لم يكن بعد تدوين بشر شيء له ذكر إلا ما كان من إلحاق قيس بالديوان في خلافة هشام بن عبد الملك بن مروان . فلما انقرضت دولة بني أمية وغلبت المسودّة بنو العباس أحدثوا أشياء حتى إذا مات